|
عيد الأضحى

الحَمْدُ للهِ الذى تَنَزَّهَ عَنِ الشَّبِيهِ والنَّظِيرِ
وَتَعَالى عَنِ المَثِيلِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَئٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} أَحْمَدُهُ عَلَى أَنْ أَلْهَمَنَا العَمَلَ
بِالسُّنَّةِ والكِتَابِ وَرَفَعَ في أيَّامِنَا أَسْبابَ الشَّكِ
والارْتِيَابِ، وَأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ
لَهُ، شَهَادَةَ مَنْ يَرْجُو بِإخْلاصِهِ حُسْنَ العُقْبَى وَالمَصِيرِ،
وَيُنَزِّهُ خَالِقَهُ عَنِ التَّحَيُّزِ في جِهَةٍ، وَأَشْهَدُ أنَّ
سَيِدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الذي نَهَجَ سَبِيلَ النَّجاةِ
لِمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ مَرْضَاتِهِ، وَأَمَرَ بِالتَّفَكُرِ في آلاءِ اللهِ
وَنَهَى عَنِ التَّفَكُّرِ في ذَاتِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى
ءالِهِ وَأَصْحَابِهِ الذينَ عَلا بِهِمْ مَنَارُ الإيمانِ وارتَفَعْ،
وَشَيَّدَ اللهُ بِهِمْ مِنْ قَواعِدِ الدّينِ الحَنِيفِ مَا شَرَعْ،
وَأَخْمَدَ بِهِمْ كَلِمَةَ مَنْ حَادَ عَنِ الحقِ وَمَالَ إلى
البِدَعْ.
أمَّا بَعْدُ أَحبَابَ الرّسُولِ
الأعْظَمِ
إنّ يومَ
العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ هو عيدُ الأضْحى المُباركُ أعادَهُ اللهُ على
المُسْلِمِينَ بالخيْرِ والنصرِ والبَرَكَةِ وفي يوْمُ النَّحرِ يَتَوَجَّهُ
الحُجّاجُ إلى مِنى لرَمْيِ جَمرةِ العَقَبَةِ كما فَعَلَ الرسولُ عليه
الصَّلاةُ والسَّلامُ وَلَنَا في رميِ الجِمارِ حِكْمَةٌ عظيمةٌ ففيهِ
يَتَذَكّرُ الحاجُّ كيفَ ظَهَرَ الشّيطانُ لسيِدِنَا إبراهيمَ لِيُوَسْوِسَ
له فرماهُ بالحَصَى إهانةً لَهُ، فَنَحْنُ مَعَاشرَ المؤمنينَ أُمّةُ مُحمدٍ
صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمَرَنَا بهذا الرّمْيِ إحياءً لِسُنّةِ نبيِّ
اللهِ إبراهيمَ وفي ذلِكَ رمزٌ لمخالَفَةِ الشّيْطانِ
وإهانَتِهِ.
إنَّ
عِيدَ الأَضْحَى يَحْمِلُ بينَ طيّاتِهِ كثيراً من المعاني السَّامِيَةِ
والأضاحي التي يذبحُهَا المُسْلِمونَ تَقَرُّباً إلى اللهِ سُبْحَانَهُ
وتعالى في يومِ عيدِ الأضحى تحمِلُ ذكرىً عظيمةً إنَّهَا تُذَكّرُنا بنبيِ
اللهِ إبراهيمَ عِنْدَمَا أُمِرَ بِذَبْحِ ابنِهِ إسماعيلَ، وكيفَ فُدِيَ
بِذِبْحٍ عَظيمٍ، وقدْ جَاءَ في قِصَّةِ الذَّبيحِ اسماعيلَ أنّ نبيّ اللهِ
إبراهيمَ كانَ قَدْ آتاهُ اللهُ الحُجَّةَ عَلَى قَوْمِهِ وَجَعَلَهُ نبيّاً
رسولاً فكانَ عَارِفاً باللهِ يَعبُدُ اللهَ وَحْدَهُ وطَلَبَ من رَبِهِ أن
يَرْزُقَهُ أولاداً صالحينَ فَرَزَقَهُ اللهُ إسماعيلَ وإسحاقَ ولما كَبرَ
ابْنُهُ إسماعيلُ وتَرَعْرَعَ كما يُحِبُّ سيّدُنَا إبراهيمُ وصارَ يُرافِقُ
أباهُ ويمشي مَعَهُ رأى إبراهيمُ عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ في المنامِ أنّهُ
يَذْبَحُ ابْنَهُ إسماعيلَ ورؤيا الأنبياءِ وَحْيٌ فَمَا كانَ من إبراهيمَ
إلا أن عَزَمَ عَلَى تحقِيقِ هذِهِ الرّؤيا كَمَا أَمَرَهُ اللهُ
تعالى.
يقولُ أهلُ العلمِ بالسِيَرِ أنّ إبراهيمَ لمّا أرادَ
ذَبْحَ وَلَدِهِ قالَ لَهُ: {إنْطلِقْ فَنُقَرّبْ قُرباناً إلى اللهِ عزَّ
وجلَّ} فَأَخَذَ سِكّيناً وحَبْلاً ثُمّ انطَلَقَ مَعَ ابْنِهِ حتّى إذا
ذَهَبَا بَينَ الجبالِ قالَ لَهُ إسماعيلُ: "يا أَبَتِ أينَ
قُربانُكَ"
فَقَالَ: {يا بُنيَّ إنّي رأيتُ في المنامِ أنّي
أذْبَحُكَ} فَقَالَ لَهُ: "أُشْدُدْ رِباطِي حتّى لا أضّطَرِبَ واكْفُفْ
عني ثِيابَكَ حتّى لا يَنْتَضِحَ عليْكَ من دَمِي فَتَراهُ أُمّي فَتَحْزَنْ
وأَسْرِعْ مرَّ السّكِينِ على حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ لِلْمَوْتِ
عَلَيَّ فإذا أتيتَ أُمّي فاقْرَأْ عَلَيْها السّلامَ مِنّي" فَأَقْبَلَ
عَلَيْهِ إبراهيمُ يُقَبّلُهُ ويبْكي ويَقُولُ: "نِعْمَ العونُ أنتَ يا
بُنيّ على أمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ".
ثُمّ إنّهُ أَمَرَّ السّكينَ على
حَلْقِهِ فلمْ تَعْمَلْ وقيلَ انْقَلَبَتْ فقالَ لَهُ إسماعيلُ: "ما لَكَ"،
قالَ: "انْقَلَبَتْ"، قالَ لَهُ وَلَدُهُ: "إطْعَنْ بها طَعْناً" فَلَمّا
طَعَنَ بها نَبَتْ ولم تَقْطَعْ شَيْئاً، وعَلِمَ اللهُ مِنهُمَا الصّدْقَ
في التّسْليمِ فَنُودِيَ: "يا إبراهيمُ قدْ صَدّقْتَ الرُؤيا هذا فِدَاءُ
ابْنِكَ" فَنَظَرَ إبراهيمُ فإذا جِبْريلُ مَعَهُ كبشٌ أملح
عَظِيمٌ.
واعلَموا أنّ الأُضْحِيَةَ سُنّةٌ عن رسولِ اللهِ فَقَدْ
كَانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ يُضَحّي بِكِبشَيْنِ، ويَدْخُلُ وقْتُ
الأُضْحِيةِ إذا طَلعَتْ شمسُ يومِ العيدِ يومِ النحرِ ومضى بعْدَ
طُلُوعِهَا قَدْرَ رَكْعَتَينِ وخُطْبَتَينِ، وَيَخرُجُ وقتُهَا بغروبِ شمسِ
اليومِ الثّالِثِ من أيّامِ التّشريقِ، ويُسْتَحَبُّ أن يُوَجّهَ الذّبيحَةَ
إلى القِبلَةِ وأنْ يُسَمّيَ اللهَ تَعَالى وَيُكَبّرَ ويقولَ: "اللهُمَّ
تَقَبَّلْ مِنّي" وإذا ضَحّى المُسلِمُ يُستَحَبُّ إن كانَ مُتَطَوّعاً أن
يأكُلَ الثّلثَ ويهْدِيَ الثّلثَ وَيَتَصَدّقَ بالثّلثِ، ولا يَجُوزُ بَيعُ
شىءٍ من الأُضْحِيَةِ والأفْضَلُ أنْ يُضَحّي المسلِمُ في دارِهِ بمشْهَدٍ
من أهْلِهِ، وإذا دَفَعَ الأُضْحِيَةَ كُلَّهَا للفُقَرَاءِ كانَ جَائِزاً
وأمّا أنْ يَأْكُلَهَا كُلَّهَا معْ أهْلِهِ الذينَ يَلْزَمُهُ نَفَقَتَهُمْ
فإنّهُ لا يجوزُ.
تَقَبّلَ اللهُ منّا صالحَ الطّاعاتِ وَجَمَعَنَا
وإياكُمُ على
عَرَفَات وَرَزَقَنَا زِيارَةَ قَبْرِ حَبيبِهِ مُحمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ
وَسلّمَ وَثَبّتَنَا على كامِلِ الإيمانِ .

|