رمضان شهر الطاعة والإحسان

الحمد لله الغني الكريم، الرؤوف الرحيم، خلق العباد على مراتب ودرجات، وجعل لهم في أيام دهرهم مواسم للخيرات، فالسعيد من وفق لاغتنام تلك المواسم، واتخذ فيها لطاعة مولاه خطى ومراسم.
أما بعد،
فإن شهر رمضان شهر عظيم القدر، أنزل الله فيه القرءان هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وهيأ للمؤمنين أسباب الطاعة فيه بفتح أبواب الجنان، وتغليق أبواب النيران وتصفيد مردة الجان. وضاعف ثواب صومه مضاعفة لا يقدر قدرها إنسان.
وشهر رمضان المبارك هو أفضل الشهور، كما أن أفضل الليالي ليلة القدر، وكما أن يوم عرفة أفضل أيام العام، وكما أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع.وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل عمل ابن ءادم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل في الحديث القدسي: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي،للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخُلوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك).
وفي رواية: (كل عمل ابن ءادم له إلا الصيام فإنه لي). وفي رواية للبخاري: (لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به) وأخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه ولفظه: (كل عمل ابن ءادم له كفارة إلا الصوم والصوم لي وأنا أجزي به). فالصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمى شهر رمضان شهر الصبر.
والصبر ثلاثة أنواع صبر على طاعة الله، وصبر عما حرم الله، وصبر على البلاء، وتجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبرًا على طاعة الله وصبرًا عما حرم الله على الصائم من الشهوات، وصبرًا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف البدن.
وقد أخرج النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، قال الخطابيّ: قوله صلى الله عليه وسلم (إيمانًا واحتسابًا) أي نية وعزيمة وهو أن يصومه على التصديق والرغبة في ثوابه، طيبة به نفسه، غير كاره له ولا مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب. اهـ. وقال البغوي: قوله(احتسابًا) أي طلبًا لوجه الله تعالى وثوابه اهـ. ومعنى(وجه الله) أي يبتغي القرب إلى الله تعالى.
والوجه في لغة العرب يأتي بمعانٍ عديدة منها: (القصد) كما قال الشاعر:
أستغفرُ الله ذنبًا لستُ محصيهُ
      ربَّ العباد إليه الوجه والعملُ (أي إليه القصد).
وكذلك ورد حديث رواه ابن حبان وغيره
المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان معناه يهمُّ بها ليفتن بها غيرها وأقربُ ما تكون المرأةُ من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها. ومعنى وجه الله هنا طاعة الله.
ومن اعتقد أن الوجه إذا أضيف إلى الله في القرءان أو في الحديث معناه الوجه الذي هو مركَّبٌ على البدن فهو لم يعرف ربه، لأن هذه الصفة للإنسان والملائكة والجن والبهائم فكيف يكون خالق العالم مثلهم! فالله ليس حجمًا بالمرة، لا هو حجم لطيف ولا هو حجم كثيف، لأن العالم حجم كثيف وحجم لطيف. ثم هذا الحجم له صفات، حركة وسكون وتغير ولون وانفعال وتحيز في المكان والجهة، والله تعالى ليس كذلك إنما هو موجود غير متحيز
في الجهات والأماكن لأنه كان موجودًا قبلها ولو لم يكن كذلك لكان له أمثال في خلقه، والله لا شبيه له بوجهٍ من الوجوه. قال تعالى (ليس كمثله شىء).
ونعود إلى الحديث عن رمضان فنقول إنه جاء في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس أشجع الناس وأجود الناس).
وكان جوده صلى الله عليه وسلم يتضاعف في رمضان ويزداد، وذلك لأسباب أحدها: أن شهر رمضان موسم الخيرات لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره.
ثانيها: أن الصدقة في رمضان أفضل منها في غيره لما جاء في سنن الترمذي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصدقة صدقة في رمضان).
ثالثها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم فيستوجب بذلك مثل أجرهم، لما جاء في سنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شىء).
رابعًا:شهر رمضان شهر المواساة والتعاون والمساعدة والرحمة والمغفرة والعتق من النار. هو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وءاخره عتق من النار. فلهذه الأسباب وغيرها كان جوده صلى الله عليه وسلم يتضاعف في رمضان وينبغي لنا أن نقتدي به صلى الله عليه وسلم في فعل الخير وكثرة الجود في هذا الشهر العظيم المبارك، قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا).

وأما تلاوة القرءان في شهر رمضان فلها فضل كبير وأجرٌ عظيم، وكان السلف يتلون القرءان في شهر رمضان في الصلاة وغيرها.
كان الأسود يقرأ القرءان في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يقرأ القرءان في كل ثلاث ليال من رمضان، وفي العشر الأواخر يقرأه كل ليلتين، وكان قتادة يختم القرءان في سبع ليال دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث ليال، وفي العشر الأواخر منه في كل ليلة.
وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: إنما هو تلاوة القرءان وإطعام الطعام. وكان مالك يُقبِل على تلاوة القرءان من المصحف إذا دخل رمضان، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرأها في غير الصلاة وكذلك أبو حنيفة.
والمقصود أن شهر رمضان شهر القرءان أي ينبغي الإكثار فيه من التلاوة بقدر الإمكان، ومن الحكمة في ذلك أن ينضم القرءان إلى الصيام في الشفاعة للعبد يوم القيامة، لما جاء في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرءان يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار فشفّعني فيه، ويقول القرءان: منعته النوم بالليل فشفّعني فيه، فيشفعان) صححه الحاكم.
نسأل االله بجاه نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يتقبل منا الصيام والقيام وتلاوة القرءان.
والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.

DESIGN BY: ARIAN DESIGN