ستة لعنهم الله ولعنهم الرسول

روى ابن حبان والحاكم والبيهقي أن
رسول الله صلى
الله عليه و سلم قال : ستة لعنتهم ولعنهم الله وكل نبي مجاب [ أي
مجاب الدعوة وكل
الأنبياء دعوتهم مجابة ] الزائد في كتاب الله والمكذب بقدر الله
والمستحل لحرم
الله والمستحل من عترتي ما حرم الله والمتسلط بالجبروت ليذل من
اعز
الله ويعز من
أذل الله والتارك لسنتي.
اللعن هو
الإبعاد من الخير المعنى
أن هؤلاء الستة
مبعدون من الخير
.
أولهم الزائد في
كتاب الله والزيادة أنواع
منها أن يزيد
الشخص بنية أن يوهم الناس أن هذا قرءان وهو ليس من القرءان وهذا
أشدهم
إثما فمن زاد
شيئا في القرءان على انه منه فقد كفر.
والثاني هو من
يزيد
حرفا من اجل
تحسين الصوت عمدا ليس على اعتقاد انه من القرءان أقل إثما وهو من
جملة
عصاة
المسلمين
.
والثالث هو الذي
يزيد حرفا من دون تعمد إنما جهل منه
بالتلاوة التي
أنزلت على النبي فهذا أقل إثما من الأولين كمن يوَلِّد حرفا بين
الهمزة والنون
المشددة فيقول إيِنا بدل إنا وكذلك ما يفعله بعض العجم من زيادة
واو
أمام حرف الغنة
إذا سبقه ضمةٌ يقولون ما هون [المقصود هنَّ ] لأنه ليس في لغتهم
غنة
، وإنما هي من
خصائص لغة العرب ، كذلك يزيدون ألفاً جوفية ويقال لها الألف
اللينة
بين الحرف الذي
قبل النون المشددة وبين النون يقولون أنَّ لهم النار فكل هذا
حرام
قال العلماء
القراءة سنة متبعة فلا يجوز للمرأ أن يتفنن فيها بزيادة حرفٍ أو
تغير
حرفٍ ولو أتى
بالمعنى الذي يوافق معنى الآية
.
أما حديث الرسول
فيجوز
روايته بالمعنى
وهذا أمر شائع بين المسلمين حتى الصحابة ما كانوا ملتزمين أن
يرووا
حديث رسول الله
باللفظ الذي خرج من فمه بل كانوا يستجيزون أن يرووا بالمعنى إنما
الضرر هو تغيير
المعنى وعلى هذا أكثر المحدثين ومن هنا منشأ رواية الحديث بعدة
الفاظ . أما
القرءان أنزل لتحدي المعارضين أي لأعجاز الكفار الذين كانوا
يكذبون
رسول الله فلم
يستطيعوا أن يأتوا بمثله ولا بمثل سورة منه مع أنه كان عصراً
بلغت
فيه البلاغة
والفصاحة القمة ومع أن القرءان أنزل بلسان عربي ولذلك لا يجوز
تلاوة
القرءان بحسب
المعنى مع ترك اللفظ المتلقى عن رسول الله أما إذا كان الشخص لا
يحفظ
الآية يقول ورد
في القرءان ما معناه فهذا جائز ولا نقول قال الله تعالى كذا و
كذا
ونورد الفاظ
ليست من الفاظ القرءان وأما حديث ((من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده
من
النار ))
والمراد به من غيَّرَ معنى الحديث ونسبه للرسول صلى الله عليه و سلم
و
نحوه كالذي يكذب
عليه بنسبة النقائص اليه وكذلك لا يجوز الكذب بنية رفع شأن
الرسول
صلى الله عليه
وسلم والتنويه به فالرسول ليس بحاجة الى أن يُكَذَب له وشرع الله
غني
عن أن يكذب
له
.
وأما قوله صلى
الله عليه وسلم :والمكذب بقدر الله والمراد
به المعتزلة
ويقال لهم القادرية ومن سلك مسلكهم فهؤلاء ضلوا بقولهم الله تعالى
خلق
الأجسام فقط دون
الحركات والساكنات والإدراكات والعلوم وقالوا إنما هو يخلق فيهم
الحركات التي
ليست إختيارية لهم كحركات العروق النابضة وقالوا إن المعاصي التي
يفعلها العباد
ليست بتقدير لله تحصل إنما العباد أدخلوها في الوجود،على زعمهم
ينزهون الله عن
الجور أي الظلم قالوا فإن خلق العباد الحسنات استحقوا على الله
أن
يثيبهم قالوا
وجب عليه ذلك إن لم يفعل ذلك يكون هو ظالم وإن اساء العباد بكفر
أو
بدونه أستحقوا
العذاب لأنهم هم خلقوا ذلك أما إن لم يكونوا هم خالقيها لا
يستحقون
العقوبة . ومن
الدليل على أن الله خلق الشر وقدر حصوله قوله تعالى :{ إن كل شئ
خلقناه بقدر }
وقول رسول الله صلى الله عليه و سلم (( كل شئ بقدر حتى العجز
والكيس ))
رواه مسلم
والبيهقي وغيرهما والعجز المراد به البلادة والكيس هو الفطانة
والذكاء
وفي الحديث
المشهور (( إن ءادم عليه السلام احتج على موسى عليه السلام في
المخاطبة
التي حصلت
بينهما في البرزخ بعد أن ماتا فقال موسى : أنت ءادم الذي اخرجتنا
من
الجنة [ أي انت
تسببت ] فأجابه ءادم بقوله : أنت وجدت في التوراة بأن هذا شئ
قدره
الله عليّ، فجعل
رسول الله صلى الله عليه و سلم الحجة لأدم في هذه المحاورة ،
قال:فحج ءادم
موسى ، أي غلبه بالحجة وقول موسى لأدم على وجه المباسطة ليس على
وجه
التأنيب . ومما
يحج به المعتزلة أن يقال لهم هل الله كان عالما قبل أن يخلق
ابليس
بأنه سيكون
غاويا مغويا أم لا ؟؟ فإن قالوا كان عالما فقد شهدوا على أنفسهم
بأن
قولهم إرادة
القبيح قبيح من الله باطلاً وإن قالوا لم يكن عالما فقد نسبوا
الجهل
الى الله وذلك
كفرٌ وممن نقل تكفير المعزلي القائل بأن العبد يخلق افعاله
الإمام
شيخ الإسلام
البلقيني وأما ما روي مما يوهم عدم تكفيرهم فهو محمول على الصنف
الأخر
من المعتزلة
كالذين يقتصرون على قول أن الله لا يرى في الآخرة وإن القرءان
مخلوق
ويعنون بالقرءان
اللفظ المنزل والقول بأن صاحب الكبيرة إذا مات بغير توبة مخلد في
النار كسائر
الكفار، وقد قيل لسيدنا علي رضي الله عنه أن فلان ينسب القدر لنفسه
أي
يجعل نفسه
مستقلاً بمشيئة افعاله عن الله فكلمه سيدنا علي رضي الله عنه
وكسره
بالحجة ثم قال
له : إن عدت الى هذا لأقطعن الذي فيه عيناك معناه أقطع رأسك فتاب
ذلك
الرجل
.
وممن حذر من
المعتزلة عمر ابن عبد العزيز وقد رفع اليه أمر رجل من
رؤسهم يقال له
غيلان بن مروان فاستدعاه واستتابه فأظهر التوبة لكنه عاد بعدما
مات
عمر بن عبد
العزيز الى غيّه وضلاله وكذلك عبد الله ابن عباس وعبد الله ابن عمر
كان
ينكران على
المعتزلة عقيدتهم الفاسدة . وكذلك عبد الله بن المبارك رضي الله
عنه
الإمام الجليل
المجتهد حذر من ثور بن يزيد وعمر بن عبيد الذي هو من رؤس
المعتزلة
كذلك قال في
التحذير
منهما ومن امثالهما: أيها الطالب علما ايت حماد ابن
زيد
فاطلبن العلم
منه ثم قيده بقيد لا كثور لاكجهم
لا كعمر ابن ابي عبيد.
وحماد ابن زيد
من الأئمة المجتهدين ، معناه يا طالب العلم اعتني بتحصيل
العلم منه واحذر
اولئك جهم بن صفوان واتباعه يقال لهم الجهمية والجبرية وهو اول
من
قال بأن الله
موجود في كل مكان ومن ضلالات
الجهمية قولهم بأن العبد لا فعل له البتة
ولا اختيار
جعلوه كالماء الذي يسيل في الوادي هذا الماء ليس باختياره وفعله
يحصل
منه هذا السيل
إنما يقال سال الوادي لأنه مظهر السيلان ليس لأنه يحدث هذا السيل.
وجهم ابن صفوان
الترمذي قتله مسلم بن احوز لما علم بفتنته فخفت فتنته
.
وأما
قوله صلى الله
عليه و سلم : والمستحل لحرم الله إن الذي يسترسل في المعاصي
الكبيرة
في حرم الله أي
حرم مكة و حرم المدينة ملعون ، والحرم هو ما حدده ابراهيم عليه
السلام بوحي من
الله نصب اعلام حتى تعرف بالنسبة لمن يكون في عصره وبالنسبة لمن
يأتي بعد ذلك ،
فالذي يعصي الله تعالى ببعض انواع المعاصي والظلم في الحرم يضاعف
ذنبه ، وليس هذا
عاماً لكل المعاصي التي يفعلها الإنسان هناك وأما ما اشتهر عند
بعض
الناس إن حسنة
الحرم بمائة الف وسيئة الحرم بمائة الف فهو غير صحيح إنما الصحيح
الثابت عن رسول
الله صلى الله عليه و سلم (( إن الصلاة في المسجد الأقصى تضاعف
الى
خمسمائة بالنسبة
لغيره من المساجد وإن الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم
بألف صلاة في
غيره أي مسجد الأقصى وإن الصلاة بمكة بمائة الف صلاة في غيره أي
مسجد
الرسول صلى الله
عليه و سلم )) المعنى أن الصلاة في المدينة بخمسمائة الف صلاة ،
وفي المسجد
الحرام مع ضربها بألف فتكون المضاعفة بلغة خمسين الف مليون ،
ومضاعفة
الثواب تحصل لمن
صلى في المسجد الحرام في القدر الذي يصح الطواف فيه مع الزيادة
التي اضيفت من
زمن النبيّ صلى الله عليه و سلم الى ايامنا للصلاة فيها ، وعند
كثير
من الفقهاء تحصل
المضاعفة في كل الحرم الذي حدده ابراهيم عليه السلام وهو مساحة
واسعة ، وأما
السيئات فلا يضاعف شئ منها في المسجد الحرام أو مسجد الرسول صلى
الله
عليه و سلم إلا
من عمل ظلما كبيرا مثلا كقتل نفس مؤمنة بغير حق أو قطع طرف ظلماً
وعدواناً أو فقئ
عين ظلما وعدواناً وما اشبه ذلك وهذا الذي قال الله فيه { ومن
يرد
فيه بإلحاد بظلم
نذقه من عذاب اليم} سورة الحج 25 يعني أن الذي يجني جناية أي
يظلم
ظلماً كبيرا في
المسجد الحرام حتى لو لم ينفذ لكنه اراد ، الله
تبارك و تعالى
جعل جزائه عذابا
اليما وإنما سمي بالمسجد الحرام لأنه لا يجوز صيد المأكول البري
فيه ولا قطع
شجرة النابت فيه بخلاف المستنبت المجلوب من الخارج ، ومن جملة
احكام
الحرم وخصائصه
أنه لا يجوز القتال فيه الا أن يبدأ المشركون المسلمون بالقتال
هناك
عندئذٍ من باب
الدفاع يجوز . أما حرم المدينة فهو ما ذكره الرسول صلى الله عليه
و
سلم في حديثه ((
المدينة حرم ما بين عيرٍ إلى ثورٍ من احدث فيها حدث أو أوى
محدثاً
فعليه لعنة الله
وملائكته والناس أجمعين )) ما بين هذين الجبلين من المساحة من
قال
إنساناً ظلما أو
قطع طرفا أو أوى جانياً ليحول بينه وبين أخِذِ الحق منه تصيبه
تلك
اللعنة وقد ذكر
الرسول صلى الله عليه و سلم أيضاً أن اللذي يخيف أهل المدينة
يذيبه
الله كما يذيب
الملح في الماء كما حصل لهؤلاء جيش يزيد بعدما ارتكبوا الجناية
الفاحشة في مكة
أنتقم الله منهم في الدنيا . وكذلك يزيد ما عاش طويلاً بعد ذلك
لأنه
هو الذي وجههم
لينتقموا من اهل المدينة غضب لأنه أراد خلعه من الخلافة لأنه لا
يستحقها لأنه
كان من
افسق الناس ،
إنما أبوه رتب له صار يكلم هذه القبيلة وهذه
القبيلة أن
استخلفوا أبني بعدي مع وجود عدد كثير من اصحاب رسول الله صلى الله
عليه
وسلم كعبد الله
ابن عمر ابن الخطاب وابي هريرة وعبد الله ابن الزبير الذي كان من
القانتين
الخاشعين من فقهاء الصحابة وهو الذي حين توجه المسلمين الى غزو
افريقيا
قتل جرجير كان
في ذلك الوقت كافر يقال له جرجير أو غرغير بلغة العجم هو اعجمي .
لما
واجهه المسلمون
و صمم على قتالهم وعدم مصالحتهم قال للمقاتلين من جيشه أيكم قتل
أمير المسلمين
فأني أزوجه بنتي هذه بما عليها من الجواهر وقد كانت له بنت فائقة
الجمال وعليها
من الجواهر الشئ الكثير ثم قائد جيش المسلمين ايضا قال أيكم صدق
في
لقاء هؤلاء
الكفار فقتل جرجير فإني اعطيه بنته . فعبد الله ابن الزبير هو كان
صاحب
الحظ هو ما قتله
لأجل البنت بل بقصد نصرة الإسلام ثم بعدما قتل هذا الملك الكافر
إنكسروا وأُسر
من أُسر منهم و فيهم البنت هو عبد الله ابن الزبير ما أبرز نفسه
ما
قال أنا قتلته
بل أخفى نفسه لأنه لوجه الله عمل فقال قائد المسلمين : إني أعزم
على
أيكم قتل جرجير
إلاَّ وأبرز نفسه فلم يبرز نفسه ثم قال للبنت تعرفين من قتل أبيك
قالت نعم فصارت
تتصفح الوجوه فقالت لعبد الله ابن الزبير أنت فأعطاه البنت . جيش
يزيد ظلماً
قاتلوه مع أنه كان أهلاً للخلافة و عبد الله ابن الزبير هو الذي ورد
في
الأثر أنه شرب
دم الرسول صلى الله عليه وسلم بعدما أخذ من النبي عليه الصلاة
والسلام دمه
بالحجامة فهذا عبد الله من اجل التبرك بهذا الدم أخذه وشربه خفية
فكان
فيه من الجرأة
والقوة الشئ الغريب من أثر ذلك الدم
.
وأما قوله صلى
الله
عليه و سلم :
والمستحل من عترتي ما حرم الله فمعناه أن الذي يعتدي على عترة
الرسول
صلى الله عليه
وسلم أي أهل بيته ملعون ، والعترة هو كالحسن والحسين وما كان في
معناهما وقد جعل
الله لهما هذا الفضل دون غيرهم ببركته صلى الله عليه وسلم
.
وأما قوله صلى
الله عليه و سلم (( والمتسلط بالجبروت ليعز من اذل الله
ويذل من أعز
الله )) فهم هؤلاء المتجبرون الذين يقهرون الناس ويظلمونهم
ويعتدون
عليهم إن كانوا
مسلمين وإن كانوا غير مسلمين
.
وأما قوله صلى
الله عليه و
سلم (( والتارك
لسنتي )) فمعناه من خالف الصحابة وخرج عنهم في المعتقد ، وليس
معناه
كل من لم يعمل
ما كان الرسول يفعله من الفرائض والنوافل يكون ملعون
. |