فَضْـلُ
الصَّـدَقَة

الحمد لله رب العالمين له
النعمةُ وله الفضل وله الثناء الحسن، صلوات الله البرّ الرحيم والملائكة
المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وحبيب رب العالمين، وعلى جميع إخوانه
من النبيين والمرسلين وءال كل والصالحين وسلام الله عليهم
أجمعين.
يقول الله في مُحْكَمِ
التنزيل: ﴿الم .
ذَلِكَ الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمَتَّقِينَ . الذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُون﴾ سورةُ البقرةِ / 1 ـ 2 ـ 3. ويقولُ رَبُّ العزَّةِ في مُحْكَمِ
التَّنْـزِيلِ: ﴿وَيُؤْثِرونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
سورةُ الْحَشْرِ / 9. جاءَ
ضَيفٌ إلى رَسُولِ اللهِ، جاءَ ضَيْفٌ إلى حبيبِ اللهِ، إلى أفضَلِ خلقِ
اللهِ فَبَعَثَ إلى نسائِهِ فَقُلْنَ: "مَا مَعَنَا إِلاَّ
الماءُ"، نِسَاءُ النبِيِّ
قُلْنَ: "مَا مَعَنَا إِلاَّ الماءُ"، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلم: "مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضَيِّفُ هَذَا" ؟ فقالَ رَجُلٌ مِنَ
الأَنْصَارِ "أَنَا" فَانْطَلَقَ إلى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: "أَكْرِمِي ضَيْفَ
رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم" فقالَتْ: "مَا عِنْدَنا إلاَّ قُوتُ
صِبْيَانِي" فَقالَ: "هَيِّئِي
طَعَامَكِ وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذَا أَرَادُوا
عَشَاءً" فَهَيَّأَتْ طَعَامَها وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَها وَنَوَّمَتْ
صِبْيانَهَا ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّها تُرِيدُ كأَنَّها تُصْلِحُ السِّرَاجَ
فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلا يُرِيَانِه أنَّهُما يَأْكُلانِ فَبَاتَا
طَاوِيَيْنِ (أَيْ لَمْ
يَأْكُلا شَيْئًا) فَلَمَّا غَدَا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلمَ
فقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ، قالَ لهذَا الصحابِيِّ الذِي ءاثَرَ ضيفَ رسولِ
اللهِ على نفسِه كَلامًا مَعْنَاهُ "لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْ فِعالِكِمَا"
فأنزَلَ اللهُ قولَه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ
خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِه فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
سورةُ الحشرِ / 9. ويُؤْثِرونَ على أنفسِهم بأموالِهِم، وَيُؤثِرونَ على أنفسِهم
بِمَنازِلِهم ولو كانَ بِهم خَصَاصَةٌ، ولو كانَ بِهِمْ فَقْرٌ وَحَاجَةٌ.
اللهُ تعالَى بَيَّنَ في هذهِ الآيةِ أَنَّ إِيثَارَهُمْ لَمْ يكُنْ عَنْ
غِنًى بَلْ كانُوا فُقَراءَ، كانوا مُحتاجينَ، مِنْ شِدَّةِ فَقْرِهِمْ
واحتِياجِهم قَالَتْ لِزَوْجِها مَا عِنْدَنا إلاَّ قوتُ صِبْيَانِي، لَيسَ
عندَهُمَا إلا طعامُ صبيانِها ومعَ ذلكَ هَيَّأَتْ هذا الطَّعامَ
وَأَطْفَأَتِ السِّراجَ فَجَعَلا يُرِيَانِه أَنَّهُما يأكُلانِ وَبَاتَا
طَاوِيَيْنِ. فيا أيها
المسلمُ الذي أنعَمَ اللهُ عليكَ، تَفَضَّلَ اللهُ عليكَ، المالُ مالُ اللهِ،
أَنْتَ وَمَا تَمْلِكُ مِلْكٌ للهِ، فَبِالصَّدَقَةِ قَدْ تَمْسَحُ دَمْعَةَ
فَقِيرٍ أَوْ تُبَلْسِمُ جِراحَ يَتِيمٍ أَوْ تُعِينُ أبًا في أَحْمالِهِ أو
تخفِّفُ بإذنِ اللهِ تعالَى أوجاعَ مَريضٍ ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ مِنْ
أَوْجَاعِه وَلا مَالَ عندَهُ وَلا دَواء. وَيُؤْثِرونَ على أنفسِهم وَلَوْ كانَ
بِهم خَصَاصَةٌ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ فَقْرٌ وَحَاجَةٌ، فكم هو عَظِيمٌ أَنْ
تَتَحَرَّكَ نُفُوسُ المسلِمينَ الأَغْنِياءِ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ التِي
يُذْكَرُ فيهَا اسمُ اللهِ فِي الغُدُوِّ وَالآصَال، فقَدْ قالَ عليهِ
الصلاةُ والسلامُ: "المؤمِنُ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ
القِيَامَةِ". معنَاهُ
تَحْفَظُهُ مِنَ الأَهْوالِ يومَ القِيَامَةِ. قالَ تعالَى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ
نَفْسِه فَأُولَئِكَ هُمُ المفلِحُونَ﴾. معناهُ أن لا يأخُذَ شَيْئًا مِمَّا
نَهَاهُ اللهُ عنهُ ولا يَمْنَعَ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِأَدَائِه، فَإِيَّاكَ
أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ الزَّكاةِ وَأَنْتَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهَا
وَإِيَّاكَ أَنْ تَمْنَعَ حَقَّ اللهِ في مَالِكَ أي كمَالِ الزَّكاةِ أَيِ
الصَّدَقَةِ الواجِبَةِ. أمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ حَلالٍ أَجْرُها
عَظِيمٌ عندَ اللهِ. فَأَنْفِقْ أخِي المسلم وَتَوَكَّلْ علَى الْحَيِّ الذِي
لا يَمُوتُ وَفَوِّضْ أمرَكَ إلَى اللهِ. وَتَذَكَّرْ أنَّ الصَّدَقَةَ
تُطْفِئُ الخطيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الماءُ النارَ وَأَنَّ الصَّدَقَةَ سَبَبٌ
لِدَفْعِ البَلاءِ عَنْكَ وَلِقَضَاءِ الحاجَاتِ فَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ
سَعِدُوا بِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ بِسَبَبِ صَدَقَةٍ تَصَدَّقُوا بِها
لِوَجْهِ اللهِ. وَتَذَكَّرْ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ لِسَيِّدِنا بلالٍ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ "أَنْفِقْ بِلالُ وَلا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلالا". اللهمَّ
اجعَلْنا مِنَ الْمُصَّدِّقينَ يا ربَّ
العالَمِينَ.

|