إلزم الجماعة

روى الترمذي في جامعه أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قام بالجابية خطيبًا فقال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا كقيامي فيكم فقال: "عليكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم فمن أراد بُحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". هذا الحديث صحيح معناه: أنّ أفضل القرون القرون الثلاثة، القرن الذي كان فيه الرسول أي المائة الأولى ثم المائةُ الثانية ثم المائة الثالثة فهذه القرون تُسمّى القرون الفاضلة، والسلفُ كانوا في تلك القرون.
ومعنى: "فمن أراد بُحبوحة الجنة" أي من أراد أن يكون تنعمه في أحسن مكان في الجنة، وأحسن مكانٍ فيها هو وسَطُها وأعلاها وهو الذي يُسمّى الفردوس الأعلى فليلزم الجماعة أي ليكن مع جماعة المسلمين أي جمهور الأمّة أي الأغلب وهؤلاء هم الأشاعِرَةُ والماتُريدية.

أما الأشاعرة:
فهم أتباع الإمام أبي الحسن الأشعري إمام أهل السنّة والجماعة كان من السلفِ من بغداد.
والماتُريديّة:
هم أتباع الإمام أبي منصورٍ الماتُريدي إمام أهل السنّة والجماعة وكان في بلاد ما وراء النهر.
فأتباع هؤلاء الإمامَيْن هم مئات الملايين من المسلمين في الصين وبلاد الهند وباكستان وفي بلادِ أفريقيا كالسودان ومصرَ وفي برِّ الشام كسورية ولبنان والأردنّ وفي الحجاز كمكّة المكرمة والمدينة المنوّرة وكذلك في بلاد المغرب العربي وسائر الجزيرة العربية وأما مخالفوهم فهم شِرذمة قليلة بالنسبة لمئات الملايين، والإمامين الأشعري والماتُريدي على العقيدة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة لم يبتدعا عقيدةً جديدةً إنّما نَصَبا الأدّلة المؤيّدة للعقيدة والسنّة وقد حصل أنّ مرّ رجلٌ مُشبّهٌ بقبرِ الإمام الأشعري في بغداد وتأخّر عن أصحابه فسألوه أين كنت قال قضيتُ حاجتي على هذا القبرَ معناهُ بالَ أو تغوّط فابتلاه الله فصار الدم يخرج من جسمه حتى مات وهذا دليلٌ على كرامة الأشعري عند الله، والأشعري نسبة إلى الإمام أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمّا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم قوم هذا" وأشار إلى أبي موسى الأشعري.
والعقيدة السُنّية التي كان عليها هذان الإمامان لخّصها الإمام أحمد بن سلامة أبو جعفر الطحاويُّ الذي كان بمصر وكان من رؤوس السلف توفي سنة ثلاثمائةٍ واثنين وعشرين للهجرة وكان أدرك عشراتٍ من السنين في القرن الثالث الهجري فذكر في أول رسالته قوله: [هذا ذكر بيانِ عقيدةِ أهلِ السنّة والجماعةِ على مذهبِ فقهاءِ الملّة أبي حنيفةَ النعمان بن ثابت الكوفيَّ وصاحبيه محمد بن الحسن الشيباني وإبراهيم بن يعقوب الأنصاري].
معناه: أن هذه العقيدة هي العقيدة التي كان عليها الرسول والصحابة.
فأهل السنّة: هم الذين يكونون على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
أمّا الجماعة: فمعناه جماعة المسلمين.
وأراد بقوله على مذهب فقهاء: الملة أي من حيث سبك العبارات لأنه كان حنفيًا وإلا ما ذكره هو عقيدة كل المسلمين وقال في هذه العقيدة:
تعالى (يعني الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الستّ كسائر المبتدعات. وقال: من وصف الله بمعنىً من معاني البشر فقد كفر.
 تعالى: أي تنزّه الله.
عن الحدود: الحدّ معناه الكميّة أي الحجم إن كان كبيرًا وإن كان صغيرًا.
والغايات: الغاية النهاية، فالله لا يوصف بأنّ له نهاية لأنّ النهايات من صفات الأجسام.
والأركان: والركن هو الجانب وهذا تأكيدٌ على نفي أن يكون الله جسمًا.
والأعضاء: وهي الأجزاء الكبيرةُ كالرجل والرأس واليد. وما ورد في القرءان من نسبة اليد إلى الله فليس معناه الجارحة كما في قوله تعالى: { يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} فمعناه: العهد. وأمّا قوله تعالى: { وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} فمعناه: بنيناها بقوةٍ، والقوّة في اللغة مرادفةٌ للقدرة، وإنا لموسعون أي لقادرين.
وأما ما ورد في الحديث: "لا تزال جهنم تقول هل من مزيد حتى يضع ربّ العزّة فيها رجله فينزوي بعضها إلى بعض فتقول قِطٍ قِطٍ" فمعنى :"رجله" الفوج الأخير من أهل النار الذين تمتلئ بهم النار، يقال في لغة العرب رجلٌ من جراد أي فوج من جراد، فأهل النار لا يُدخلون إلى النار دفعة واحدة وإنما يُدخلون على دفعات فكلمّا أُدخل إليها دفعةٌ تقولُ: هل من مزيد؟ ، حتى يدخل إليها الفوج الأخير الذي تمتلئ به فتقول قط قط معناه امتلأت.
وقد حصل من بعض المشبّهة لما يسمع هذا الحديث أن قال: الله يضع رجله واشار المُشبّه إلى رجله في النار لكنها لا تحترق وهذا من عماية قلبه كذّب قول الله تعالى: { لَوْ كَانَ هَؤُلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا} وذلك في توبيخ الكفار فإن الله ليزيد الكفار عذابًا يجعل معهم في النار ما عبدوه كفرعون و الأصنام إلا عيسى وأمه وعُزير وأخبر الله أن الإله لا يرِدُ النار اي لا يدخلها ولولا عماية قلب هذا المثشبّه لعرف أن الله تعالى أقسم أنه يملأ جهنّم من الجِنّة والناس أجمعين.
والأدوات: فمعناه والأجزاء الصغيرة كالأسنان واللهاة وهذا فيه تأكيدٌ على أنّ الله تعالى لا يوصف بصفات المخلوقين.
لا تحويه الجِهات الست كسائر المبتدعات: فمعناه أن الله موجود بلا مكان، لأن الجهات الست هي فوق وتحت ويمين وشمالٌ وقدّامٌ وخلفٌ فالذي لا تحويه هذه الجهات هو الموجود بلا مكان وهو الله.
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين

DESIGN BY: ARIAN DESIGN